الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
31
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تعيين . ونظيره قوله تعالى : كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [ سورة الجمعة : 5 ] أي فرد من الحمير غير معيّن ، وقرينة إرادة الفرد دون الجنس إسناد حمل الأسفار إليه لأنّ الجنس لا يحمل . ومنه قولهم : ( ادخل السوق ) إذا أردت فردا من الأسواق غير معين ، وقولك : ادخل ، قرينة على ما ذكر . وهذا التّعريف شبيه بالنّكرة في المعنى إلّا أنّه مراد به فرد من الجنس . وقريب من هذا التّعريف باللّام التعريف بعلم الجنس ، والفرق بين هذه اللام وبين المنكّر كالفرق بين علم الجنس والنكرة . فالمعنى : أخاف أن يأكله الذّئب ، أي يقتله فيأكل منه فإنّكم تبعدون عنه ، لما يعلم من إمعانهم في اللّعب والشّغل باللهو والمسابقة ، فتجتري الذئاب على يوسف - عليه السّلام - . والذئب : حيوان من الفصيلة الكلبيّة ، وهو كلب برّي وحشيّ . من خلقه الاحتيال والنفور . وهو يفترس الغنم . وإذا قاتل الإنسان فجرحه ورأى عليه الدم ضري به فربّما مزّقه . وإنّما ذكر يعقوب - عليه السّلام - أنّ ذهابهم به غدا يحدث به حزنا مستقبلا « 1 » ليصرفهم عن الإلحاح في طلب الخروج به لأنّ شأن الابن البار أن يتّقي ما يحزن أباه . وتأكيد الجملة بحرف التّأكيد لقطع إلحاحهم بتحقيق أنّ حزنه لفراقه ثابت ، تنزيلا لهم منزلة من ينكر ذلك ، إذ رأى إلحاحهم . ويسري التّأكيد إلى جملة وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ . فأبوا إلّا المراجعة قالوا : لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ . واللّام في لَئِنْ أَكَلَهُ موطّئة للقسم ، أرادوا تأكيد الجواب باللّام . وإنّ ولام الابتداء وإذن الجوابيّة تحقيقا لحصول خسرانهم على تقدير حصول الشّرط . والمراد : الكناية عن عدم تفريطهم فيه وعن حفظهم إيّاه لأنّ المرء لا يرضى أن يوصف بالخسران .
--> ( 1 ) ذهب جمع كثير من النحاة فيهم الزمخشري في « الكشاف » و « المفصل » إلى أن لام الابتداء إذا دخلت على المضارع تخلصه لزمن الحال ، وخالفهم كثير من البصريين . والتحقيق أن ذلك غالب لا مطرد . فهذه الآية وقوله تعالى : أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا [ مريم : 66 ] تشهدان لعدم اطراد هذا الحكم .